ليل غض لا يزال في أوّله ، يلهو كالطفل بظلال المارة، أو يبعثر مخابئ النوم لتتعثر به الكلاب الضالة. ينصب مراياه لأسر كل وميض ينبعث من مجالس تسهر فيها الحكايات.
إلى هذا الليل الغض يأتي يونس عدْوًا ، قاطعا المسافات الملغومة بأحابيل القتل والجنون تسبقه أنفاسه المرهقة. عندما يتيقن أنه في أمان، وأن أحدًا لا يطارده يتوقف عن الركض لاهنا، مرتجفا.
يتلفت فاحصا بنظراته الدروب المتقاطعة، حتى يستقر على الجهة التي عليه أن يسلكها، والدرب الذي سيقوده إلى بيته، والجدران التي سيستند إليها كلما انتابه فزع أو استبد به وسواس
والحي الذي سيتعرّف عليه من وقع خطواته فيرحب به ببشاشة والزقاق الذي سيمد له يدًا رفيقةً إن تعثر أو مسه أذى، والشرفة التي ستلوّح له محبّيةً أن يصل إلى الباب، والمفتاح الذي به سيفتح إقليم الطمأنينة على مصراعيه، والعتمة التي ستنحسر ما إن يعبر فناء البيت المشطور بضوء قنديل.