إنَّ سيرةَ النبيِّ ﷺ ليست ماضياً نتفرّجُ عليه؛ بل مستقبلًا نَعبُرُ إليه، ومنهجًا يصلُحُ لكلِّ عصرٍ ومصر وحال. وهو عملٌ لا يلغِي جهدَ من سبقَ ولا يدّعِي الإحاطةَ بما سيأتي؛ بل هو حلقةٌ في سلسلةِ الخَيْرِ الممتدّةِ منذُ كُتبتِ السِّيرةُ أوّلَ مرّةٍ في الصُّدورِ قبل السُّطورِ، وهو تمهيدٌ لِمَن سيكتبُ بعدنا، ودعوةٌ لتتواصلَ الرِّحلةُ دون توقّف.
وقفتُ في صفحاتهِ عند محطّاتٍ من حياتِهِ ﷺ منذُ لحظةِ الفجرِ الأوّلِ لِمولدِهِ المباركَ، حيثُ انقشعتْ أولى غيومِ الجاهليّةِ، وحتى لحظةِ انتقالِهِ إلى الرفيقِ الأعلى، حينَ بكت السَّماءُ والأرضُ لفقدهِ. رافقتُ سيرتَهُ في مكّةَ طفلًا ثم صادقًا أمينًا ثم نبيًّا مُبلّغًا، وفي المدينةِ قائدًا وحاكمًا ومعلّمًا ومربّيًا.
وسِرتُ معهُ ﷺ في دعوتِهِ، حيث بَذَلَ الرُّوحَ قبلَ الجسدِ، وفي جهادِهِ حيثُ كانَ السّبيلُ محفوفًا بالمكارهِ، وفي صبرِهِ على الأذى حتّى ضاقتْ به الطُّرُقُ إلّا طريقَ اللهِ، وفي هجرتهِ الَّتي خَطَّتْ على رمالِ التّاريخِ بدايةَ أمّةٍ. كما عَرجتُ على غزواتِهِ ومواقفِهِ مع أوليائهِ وأعدائِهِ، وعلى عدالتِهِ ورحمتِهِ وحكمتِهِ وتعاملِهِ مع الناسِ كافّةً؛ فكانَ ﷺ قرآنًا يمشي على الأرضِ.
وفي كلِّ موقفٍ من مواقفِ حياتِهِ، اجتهدتُ أن أستنبطَ دروساً، وأن أستخلصَ عِبَراً، لأنَّ غايةَ هذا الكتابِ أن يربطَ القارئَ بالواقعِ أكثرَ مما يشغَلُهُ بتفاصيلِ الماضي، وأن يجعلَ السِّيرةَ منهجَ حياةٍ نحياهُ ونُجاهِدُ به أنفسَنا، لا مجرّد صفحاتٍ نطويها ثم نُهمِلُها.