يغوص زهران القاسمي عميقًا في محلّيّة المكان في رواية «خطار» ليس بوصفه إطارًا تجري فيه الأحداث، بل بوصفه عالمًا كاملًا من الحكايات والمعتقدات والخرافات والذاكرة الشعبية. والقاسمي، المثقّف الذي يحمل هموم بلاده، تظلّ هذه الهموم حاضرةً في نتاجه الأدبي، وهو هنا يعود إلى بيئة البلاد نفسها، مغرقًا في محلّيّتها، ومن أسطورة شعبية عن أطفال يؤخذون ويؤكلون على أيدي السَحَرة، يبني القاسمي نصًّا روائيًّا شائقًا، تتداخل فيه الحقيقة بالوهم، والواقع بالعجائبي، وتتحول الحكايات التي يتناقلها أهل قرية «الحاجر» إلى مرآة تكشف علاقتهم بالمكان وبأنفسهم وبيئتهم.
تبدأ الرواية من «غياب»، لكن البحث لا يقود إلى إجابة واحدة، بل يفتح أبوابًا لحكايات متفرقة، تتقاطع حينًا وتتجاور أحيانًا وتستدعي بعضها البعض. شخصيات القرية وأطفالها وطيورها وحكاياتها الغامضة ليست عناصر سردية حكائية فقط، بل هي إشارات ورموز يقدّمها الكاتب للمتلقي مكلّفًا إياه مهمة البحث والاكتشاف من دون فرض تأويل واحد جاهز.
لسان حكّاء متمكّن تولى مهمة السرد، أدخل اللهجة المحلية من دون الحاجة إلى تنميق أو شرح، وترك الحكايات تتدفق بثقة، قبل أن يبدأ، تدريجيًّا، في كشف الخيوط التي تصل بينها. رواية ممتعة ومربكة في آن، تحتفي بالحكاية الشعبية، وتمنح القارئ مساحة واسعة للشك والتأويل، وتؤكد أن الأدب يستطيع أن يحفظ ذاكرة المكان ويعيد بناءها من خلال عوالم جديدة مبتكرة.
الدكتور / منير الحايك