طوال تلك السنوات ظننت نفسي بصدد الهروب من ماضي، والحال أني كنت أشق طريقي إليه بثبات. هكذا عبرت ناتاشا تريتيوي بجملة واحدة عن جوهر مأساتها، مأساة المرأة المحاصرة بماضيها ويا له من ماض! طفولة في ولاية مسيسيبي مثقلة بمشاعر الاغتراب وعدم الانتماء، لا لشيء إلا لأنها كانت طفلة هجينة العرق، ثم فاجعة في عامها التاسع عشر مزقت نياط قلبها وقلبت حياتها رأساً على عقب، وكيف لا وقد شاهدت بأم عينها والدنها تردى قتيلة برصاصة أطلقها عليها زوجها السابق ومنذئذ وهي تجاهد لتستمر في الحياة ولو على مضض بعد أن فقدت ما لا يعوض، وبأبشع صور الفقد، وكي تستطيع الاستمرار كان لزاما عليها أن تتحرر من أسر الذكريات التي ما انفكت تنخر روحها كما ينخر السوس الخشب، وليست كتابتها لهذه السيرة سوى محاولة شاقة للخلاص.